محمد بن زكريا الرازي
446
الحاوي في الطب
قال : والهواء أكثر ما ينتفع به في الدق ومتى كانت هذه الحمى حادثة عن أفة نزلت بالقلب نزولا أوليا ، وقد ينتفع به منفعة ليست يسيرة في سائر الحميات الدقيقة ، لأن القلب في هذه الحميات أيضا يعرض له سوء مزاج شبيه بسوء مزاجه إذا حلت به الآفة أولا ولا يمكن أن يعرض له شيء من الحميات الأخر فضلا عن حمى الدق والذبول ، دون أن يعرض للقلب سوء مزاج . فأما إذا كانت الآفة عن الرئة فإنها أحوج إلى الهواء البارد من سائر الأعضاء . وقد حصل أن الهواء البارد نافع في جميع الدق . قال : وهؤلاء يحتاجون إلى أدوية توضع من خارج البدن وأن تكون مبردة بلا قبض شديد ، لأن القابضة لا تعرض بتبريدها إلى عمق البدن لأنها تقبض ظاهر الجلد ولا تصل إلى عمقه ، والأجود أن يكون مبردا لطيفا جدا ولكن هذا الدواء عسر لأن جوهرا باردا جدا يكون في غاية اللطافة متعذر الوجود . لي : كأن جالينوس هاهنا لم يعرف الكافور . قال : فالخل هو من جميع المبردات التي يعرفها الناس ، وقد يخالطه شيء من حرارة وليس هو بصادق البرد وهو يجفف مع هذا وأرى أن جالينوس لم يذكر الكافور إما لأنه لم يكن يعرفه وإما لأنه يجفف بقوة قوية ، ولهذا لا ينبغي أن يستعمل وحده حيث يحتاج إلى تبريد وترطيب بل يخلط معه الماء البارد حتى يصير في حد ما يمكن شربه ، ولكن إذا كان لا يمكن أن يوجد شيء مما يداوي به في الغاية من اللطافة مع البرودة فقد ينبغي على حال أن يحتال لتركيب أدوية صالحة لهذا الشأن مثل القيروطي المتخذة بالشمع المصفى وزيت الأنفاق المشربة بالماء . لي : هذا القيروطي إن اتخذت بدهن بنفسج أو دهن خلاف أو دهن نيلوفر فقريب أن يكون مما يطلب وخاصة دهن النيلوفر فإنه بارد لطيف جدا فليستعمل . قال : ولا تترك هذا الضماد على البدن إلى أن يسخن سخونة ظاهرة لكن يبرد ويبدل تبديلا متواترا . ضماد آخر : يؤخذ دقيق شعير فيخلط بعصارة الحماض ثم تبل فيه خرقة بطاقتين وتوضع على البطن وهي مبردة غاية التبريد وتبدل متى فترت . وإن شربت القيروطي خلا وماء ونحوه كان أبرد . لي : أحسب أن هذا يبلغ حيث تريد وإن شئت شربت لعاب بزر قطونا أو ماء عنب الثعلب ونحوه ، وبرده على الثلج وضعه وارفعه وبدل خرقه دائما ، فإن شئت فضع عليه طحلبا مبردا دائما بماء عنب الثعلب وفيه قبض فلا تستعمله إلا مع دهن . قال : وضع الأدوية على الموضع الذي هو أول عضو نزلت به الآفة والموضع الذي ترى الحرارة فيه أزيد لأنه ينبغي أن لا يبرد العضو الذي لا يحتاج إلى تبريده مع العضو الذي يحتاج إلى ذلك ، لأنه إذا لم تحرز ذلك لم تأمن أن ترفع الضماد المبرد قبل أن يعمل عمله